محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
333
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
بعض ما يتخاطبون به ، ولهم ألفاظ كثيرة غيرها ، وكأن المؤلف رحمه اللّه تعالى أردا أن لا يخلو كتابه عن ذكر شيء منها . [ وأكمل منه عبد شرب فازداد صحوا . . الخ ] وأكمل منه عبد شرب فازداد صحوا . وغاب فازداد حضورا . فلا جمعه يحجبه عن فرقه ، ولا فرقه يحجبه عن جمعه ، ولا فناؤه يصده عن بقائه ، ولا بقاؤه يصده عن فنائه ، يعطي كل ذي قسط قسطه ويوفى كل ذي حقّ حقه . هذا هو حال خاصّة الخاصة الذين حازوا رتب الأكملية ؛ وهم قوم شربوا كؤوس التوحيد فازداد صحوهم ، وغابوا عن الأغيار فازداد حضورهم ؛ وقد ملكوا الأحوال ، وتمكنوا في مقامات الرجال ، فلم يغلبهم محو عن طيّ ؛ ولم يحجبهم شيء عن شيء بل وفوا حقوق جميع المراتب ، وأعطوها مالها من قسط واجب ، وذلك لاتساع نظرهم ؛ ونفوذ بصرهم ، وهذه هي صفة الصدّيق ، رضي اللّه تعالى عنه في القصة الذي يذكرها الآن . [ وقد قال أبو بكر الصديق . . . الخ ] وقد قال أبو بكر الصديق ، رضي اللّه تعالى عنه ، لعائشة ، رضي اللّه تعالى عنها ، لما نزلت براءتها من الإفك على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا عائشة ، أشكري رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : واللّه لا أشكر إلا اللّه دلها أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه على المقام الأكمل . مقام البقاء المقتضى لإثبات الآثار وقد قال اللّه تعالى أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ [ لقمان : 14 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس » « 1 » وكانت هي في ذلك الوقت مصطلمة عن شاهدها غائبة عن الآثار فلم تشهد إلا الواحد القهار . هذا مثال هذين القسمين ، وقد أشبع المؤلف - رحمه اللّه تعالى - الكلام فيه . والمعنى في ذلك بيّن ، لا حاجة بنا إلى مزيد من تنبيه عليه إلّا قوله ( وكانت في ذلك الوقت مصطلمة ) أي : منقطعة عن شاهدها ، وهو حكم بشريتها متوفاة عن إحساسها بالكلية ، والاصطلام نعت الحيرة ، ومحل القهر وصفة الدهشة . وفي قوله ( وكانت هي في ذلك الوقت ) إشعار بأن ذلك لم يكن حالا لازما لها في جميع أوقاتها بل كان ذلك في وقت مخصوص ، وواقعة مخصوصة ، وذلك صحيح ؛ إذ حالها رضي اللّه عنها ، هو حال الكمال في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبعد وفاته كنحو حال أبيها ، رضي اللّه عنهما ؛ وذلك معلوم من أخبارها وسيرها رضي اللّه تعالى عنها . وقال رضي اللّه عنه لما سئل عن قوله صلوات اللّه عليه وسلامه « وجعلت قرّة عيني في الصلاة » « 2 » : هل ذلك خاصّ به أم لغيره منه شرب ونصيب فأجاب :
--> ( 1 ) مرّ ذكره . ( 2 ) أخرجه النسائي ( نساء ، 1 ) ، وأحمد بن حنبل ( 3 ، 128 ، 199 ، 285 ) .